نساء عصافير النيل

20 أغسطس

عصافير النيل .. للروائي إبراهيم أصلان هي الرواية التي قرأتها هذا الشهر، رصدت تفاصيل عدة لشخوص فقيرة وبسيطة في أحياء شعبية. تجلت بها ثلاث شخصيات نسائية رئيسية.
نرجس الاخت ،وأفكار الخطيبة ،وانشراح العشيقة. الثلاث نساء ذات طبيعة مختلفة وادوار مختلفة وآثر مختلف على عبد الرحيم بطل الرواية. ترصد الرواية في أغلب احداثها حياة عبد الرحيم فهو الشخصية الرئيسية للرواية ، وعلاقة عبد الرحيم بثلاث نساء جاءت ما بين المرأة السند، والمرأة الحلم والتمني، والمرأة الرغبة والاشتهاء.

(1)

نرجس الأخت

نرجس هي الأخت، وهي الشخصية النسائية المحورية التي لا تغييب طوال رواية عصافير النيل. نرجس نموذج للسيدة المصرية سليلة الاحياء الشعبية، هي زوجة لرجل على المعاش فقير وبسيط تائه في ذاته، وهو ذات طبيعة منطوية يتأمل الحياة في داخله على نقيض نرجس الزوجة المتيقظة الواعية لأحداث اليوم بتفاصيله، لها دور بارز في استقرار وتيرة العيش، فهي التي تطهو الارز وتسلق اللحم وتعد الشاي في براده القشاني أزرق اللون ، وهي تلك المرأة التي تخفي علبة الكبريت تحت وسادة المقعد الأسطنبولي متوهمة بانه مكانا بعيدا عن ايدي الأطفال !! بما ييسر عليها ان تجده  وتنير ببعض ثقابه مصباح الجاز في حالة اقطاع الكهرباء.

تلعب نرجس دور كبير في حياة الرجال من حولها، كعادة النساء هي أنس الزوج وراعية حاله تشير عليه بخلع ضرسه في المستشفى الحكومي بدلا عن شبكها في دبارة بمقبض الباب وجذبها عنوة لتخلص منها، وسند الاخ عبد الرحيم التي تهرول وراءه حافية القدمين عند سماعها خبر دخوله المستشفى وتندر الخلق عليه بعد محاولة صيد فاشلة. هي إيضا نموذج للنساء المتكيفات مع واقعهن، فلا يرصد لها حالة تزمر أو تأفف من ضيق اليد او إحالة زوجها على المعاش و بقاءه زاهد في الدنيا بمنزلهم المتواضع الذي يقبع بعدد من الدرجات اسفل البناية.

لكنها تدرك تماما كيف تستمد مكانتها المؤثرة من سُلطة الرجال ، فكونها نموذجا للمرأة السند واعتبارها ملجأ وملاذ اتاح لها مجالا للتدخل والتأثير على حياة الرجال من حولها، فتنصح زوجها عثمان أمره بأن يتخلى عن متابعة التحقيق في واقعة اتهامة في سرقة الموتوسيكل كما تلوم عبد الرحيم بتأنيب تخازلة في مواجهة افكار خطيبته المتعالية وتنهر تورطة في علاقة مع إنشراح الارملة الثرية.

كثير من النساء كنرجس، تكسبهم الأدوار داخل المنزل مكانة حيوية في إدارة شؤون العائلة ككل بما فيها إدارة شؤون رجالها، وليس غريبا ان يتنامى في ثقافة الشعوب إطلاق مفرد ( المطبخ) على مجموعات صناعة القرار وتدبيره ، رغم ان المطبخ هو احد الفضاءات الخاصة للنساء، لكن يبدو أن دوره ودلالته تجاوزت الفهم المباشر لصناعة النكهات واصبح في الخاص والعام محلا لصناع السياسات و التوجهات.

(2)

أفكار الخطيبة

أفكار تعمل ممرضة، قامت بتطبيب عبد الرحيم بعد ان جرى هائم تزفه ضحكات صبية الصيادين، فقد اخفق في صيد السمك وسقط مرارا في المياة وابتل عن  اخره وفقد مداسه، فذهب إلى المستشفى لاسعافة من نوبة برد شديد، وهناك ألتقى أفكار وقد اخذه ملمس يديها الرطب الحاني انجذب إليها عبد الرحيم وتمت الخطبة.

أفكار هي نموذج من النساء التي ترى في ذاتها إمكانات من شأنها ان تتجاو بها واقعها الفقير المهمش، فهي تقطن في حي عبد الرحيم الفقير لكنها ممرضة تزامل الاطباء وعلى دراية طبية شبة علمية صاحبة عمل ودخل مستقر، قبلت الخطبة من عبد الرحيم الذي جاءها في لقائهم الأول مبلول مهزء من الصبية آثر اداء اهوج في الصيد.فأسقطت أفكار على عبد الرحيم صور عدة من التعالي والتكبر، فهي تستعر من الخروج معه للسينما وتنهره على مظهره وجلبابة فهو ملبس لا يليق بها.

أفكار نموذج الفتاة التي تقبل على قرار الزواج بأعتباره حتمية اجتماعية، ترضى بما تتيح به الفرص من رجال ، هي أحد هؤلاء الفتيات التي ترى في الزواج سبيل للحراك الاجتماعي كخطوة تتحرك بها لأعلى. تدرك أن بإمكان الرجل ان يجذب لأسفل بقدر ما بإمكانه ان يدفع لأعلى. تتصور واهمة بأنها تستطع السيطرة علية واخضاعة مسحورا لها لعلها تفوز بكل الكروت الزواج، والأرتقاء، والاستئثار بالسلطة.

لا تختلف أفكار عن عديد من نماذج الفتيات، من ينظرن للزواج بإعتباره صفقة تهدف للربح على طول الخط، نشأت مثلما نشأ اخريات كثيرات ضحايا لثقافة مجتمعية تتعمد إعماء النساء عن أكتشاف طاقتهن الذاتية وتقدير مهارتهن وتجعلهن دائما في حاجة لذلك الظل الاشبة بظل الحائط، فتسوء فطرتهن وتختزل احلامهن في رجل يتسلقه اما للحماية او للوجاه او للضرورة.

(3)

انشراح العشيقة

انشراح أرملة ثرية، نموذج لجسد المرأة الفائر صاحب الخبرة في الجنس والحمل، هي تلك المرأة الممتلئة مكتظة الساق برقات من اللحم الابيض المثني، ترتدي ثياب راقية بالمقارنة بلباس النساء الشعبيات وتقطتن حي عبد الرحيم.

تعرفت انشراح على عبد الرحيم في محل عمله حيث تذهب بأنتظام لمكتب التوفير لسحب معاشها، وانجذب لها عبد الرحيم انجذاب الرغبة. فبعد فسخ خطبته بأفكارأهتز عبد الرحيم في ذكورته، وبظهور إنشراح حان الحال لإسترداد قدرا من الأحساس بالفحولة والذكورة المفقودة.

أنشراح هي تلك السيدة التي تجيد الأثارة في منزلها، تعرف كيف تهيئ الحال وتبدع اوقات اللذة، تشرع النوافذ وترتدي ارواب الحرير ذات الألوان الساخنة ، تكشف من خلالها عن صدر فسيح ، تلعق السيجارة بلسان وردي غليظ وشفاة حمراء مكتظة.

أدركت إنشراح حاجة عبد الرحيم وتعمدت استدعاء فحولته. واهتاج عبد الرحيم وضجعها بلذة ونشوة فريدة. اعقبه نوعا من الزواج الداعر !! وبقاء الحال من المحال، لم تكتفي نرجس بتأنيب عبد الرحيم ونهر علاقته بإنشراح ، فقد كانت نرجس تدرك ان انشراح ما هي إلا سيدة عجوز تسقط الشباب الصغير في برائثها، من هم مثل إنشراح هم نساء يستحققن الاستغلال فراحت توحي لاخيها بضرورة التفكير في التدخل في معاش إنشراح والتحكم في سلوكها ودخلها. وعلى اثارها اخرجت إنشراح عبد الرحيم من حياتها، لكنه ظل هائم مأخوذ باللذة معها، افتقد مضاجعتها كثيرا إلى ان تمكن يوما ممن اغتصابها عنوة عنفا!!

تظل انشراح نموذج للنساء التي تعكس احتياجاتهن الجنسية نقيصة اجتماعية وعار يكفي لقهرهن وإستغلالهن على كافة المستويات الجنسية والمادية وغيرها إن وجد. انشراح هي تلك المرأة التي لا تملك سوى مصادر الاغواء المادية الجنس والمال والتى لا تسقط في شباكها غير الرجال المختزلة ذاتها في فحولة الآسره.

مصيبة هي الثقافة التي تختزل في اجساد النساء فهم الكرامة وتجليات الذات، فجسدها بالنسبة لها ملكية حرة تهبه وتحجبه وقتما شاءت، وجسدها إيضا بالنسبة له حق ومتعة مكتسبة لا تتحكم فيها اهواء النساء وإنما قرار الرجال.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: